لقد تطرق العديد من الكتاب والمفكرين المسلمين لموضوع مبادئ الحكم في الإسلام،، ومن بينهم المفكر الإسلامي المعاصر/ أبو الأعلى المودودي، الباكستاني الجنسية، في كتابه المعنون ب(الخلافة والملك)، وهذا الكتاب قام بتعريبه/ أحمد إدريس، ويقع الكتاب في حوالي (242) صفحة من القطع الصغير،وهو من إصدار دار القلم- الكويت، صدر في طبعته الأولى عام 1398ﻫ-1978م.
وفي هذا الكتاب يطرح الكاتب رؤيته للتصور الحقيقي لمفهوم الخلافة في الإسلام، والمبادئ التي قامت عليها الخلافة الإسلامية في صدر الإسلام، وكذلك تطرق الكاتب إلى أسباب تحولها إلى (النظام الملكي) – إن جاز التعبير- بعد إنتهاء فترة الخلفاء الراشدين.
ولقد بذل الكاتب جهداً طيباً في جمع كافة آيات القرآن الكريم التي تسلط الضوء على مسائل سياسية أساسية من أجل إظهار صورة (الحكومة الإسلامية)، و تعرض الكاتب بجرأة لهذه القضية ووضح كيف زالت الخلافة الراشدة مستنداً في ذلك على مبادئ الحكم في الإسلام في ضوء القرآن والسنة، وأقوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويحدد الكاتب مبادئ الحكم في الإسلام بتسعة مبادئ هي:
1- سيادة القانون الإلهي:
حيث الحاكمية لله تعالى وحده، وحكومة المسلمين في حقيقتها خلافة، فهي ليست حكومة مطلقة العنان، بل تعمل تحت القانون الإلهي الذي يستمد من القرآن والسنة.
{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} الأعراف 3
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة 44
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} المائدة 45
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة 47
2- العدل بين الناس:
حيث الجميع متساوون أمام الله من أدنى فرد في المجتمع المسلم وحتى القادة والحكام، ولقد أمر الله عز وجل رسوله الكريم بذلك في قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}الشورى15، ويقول صلى الله عليه وسلم(إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف..، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد فعلت ذلك- سرقت- لقطعت يدها).
3- المساواة بين المسلمين:
وذلك في الحقوق والواجبات دون إعتبار للجنس واللون واللغة والوطن، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}الحجرات13، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
4- مسئولية الحكومة:
لا يحق لأحد بما فيهم الحاكم أن يتصرف في الحكم والسلطة والأموال بطريقة مشبوهة أو لأغراض شخصية، فهي بمثابة أمانات، يقول عز وجل: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}النساء58، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ ومسئول عن رعيته).
5- الشورى:
ويقضي هذا المبدأ بحتمية تشاور قادة الدولة وحكامها مع المسلمين، والنزول على رضاهم ورأيهم، وإمضاء نظام الحكم بالشورى، لقوله تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}الشورى38، وقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران159.
6- الطاعة في المعروف:
طاعة الحاكم تكون في حدود ما يرضي الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، يقول عز وجل: َ{ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}الممتحنة12، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف).
7- طلب السلطة ممنوع:
فمن يطلب المناصب القيادية، وخصوصاً الخلافة ويجتهد لذلك يكن أقل الناس كفاءة وصلاحية لعظم الأمانة لمن يدركها، يقول الله عز وجل: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص 83، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إنا والله لا نولي على عملنا هذا أحداً سأله أو حرص عليه).
8- هدف وجود الدولة:
هو إقامة نظام الحياة الإسلامي بحذافيره دون نقص أو إبدال، ونشر الخير ومقاومة الفساد، يقول عز وجل: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج41، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ويقول أيضاً: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
9- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهي من المبادئ المهمة في نظام الحكم الإسلامي، يقول الله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة 2، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، ويقول أيضاً: (إن أفضل الجهاد كلمة عدل – أو حق- عند سلطان جائر).
|